الضبابية

الضبابية… عندما تختفي الحدود بين الأشياء
هناك أيام أشعر فيها أنني لست في السماء ولا على الأرض.
لا أعرف متى يبدأ يومي، ولا متى ينتهي. أتنقل بين المشاريع والاجتماعات والقرارات، لكنني لا أشعر أنني خرجت من شيء لأدخل شيئًا آخر. كل شيء يبقى معي، وكأن الأبواب بين المساحات قد اختفت.
لفترة كنت أعتقد أن الضبابية هي ضبابية التفكير، ثم تساءلت: هل هي ضبابية المشاعر؟ أم أن الاثنين وجهان لشيء واحد؟
ومع الوقت بدأت أرى الأمر بطريقة مختلفة.
ربما الضبابية ليست ضعفًا في التفكير، وليست اضطرابًا في المشاعر فقط، بل هي فقدان الحدود بينهما.
حين ينتهي اجتماع، لا ينتهي أثره. وحين أبدأ مشروعًا جديدًا، تدخل معه مشاعر المشروع السابق. وإذا واجهت موقفًا صعبًا مع عميل، أجد أن أثره يرافقني حتى في اجتماعي التالي مع عميل مختلف تمامًا.
ليس لأن المشاريع متشابهة، بل لأنني لم أمنح نفسي لحظة انتقال.
أدركت أن العقل لا ينتقل تلقائيًا كما نعتقد، بل يحتاج إلى أن نغلق صفحة قبل أن نفتح أخرى. وإلا فإنه يحمل الملفات كلها في الخلفية، فيصبح كل قرار متأثرًا بما قبله، وكل شعور يمتد إلى ما بعده.
ولهذا قد تبدو الأمور وكأنها ضبابية، بينما الحقيقة أن الحدود بين الأشياء لم تعد واضحة.
حتى الحياة الشخصية والعمل، عندما لا تكون بينهما فواصل، يبدأ كل منهما باستهلاك الآخر. أدخل المنزل بعقل المدير، وأجلس في المكتب بعاطفة الأم، وأحمل هم المصنع إلى جلسة التصميم، وأنتقل من دور إلى آخر دون أن أغادر الدور السابق.
ربما لهذا السبب لا أشعر أحيانًا أن يومي بدأ أو انتهى، لأن كل شيء متصل بلا فواصل.
ثم سألت نفسي سؤالًا آخر:
هل يمكن أن يخفف توحيد أسلوبي من هذه الضبابية؟
أعتقد أن الجواب نعم، إلى حد كبير.
عندما يكون للإنسان فلسفة واحدة، وطريقة ثابتة في التفكير، وأسلوب واضح في اتخاذ القرار، فإنه لا يستهلك جزءًا من طاقته في إعادة تعريف نفسه كل مرة.
أن يكون لك خط واحد لا يعني أن تكون مكررًا، بل يعني أن تكون واضحًا.
وضوح في المبادئ.
وضوح في الذائقة.
وضوح في طريقة إدارة العمل.
وضوح في طريقة التواصل.
هذا الثبات لا يلغي تنوع المشاريع، لكنه يجعل الانتقال بينها أكثر هدوءًا، لأن الشخص الذي يديرها واحد، والمنهج الذي يحكمها واحد.
لكنني لا أظن أن توحيد الأسلوب وحده يكفي.
ما أحتاجه أكثر هو أن أتعلم فن الانتقال.
أن أعرف كيف أغلق الباب خلف الاجتماع قبل أن أفتح باب الاجتماع الذي يليه.
أن أنهي يوم العمل قبل أن أبدأ يوم العائلة.
أن أمنح كل مشروع حقه، دون أن أسمح له بأن يسرق مساحة مشروع آخر.
ربما الضبابية ليست أن لدينا أعمالًا كثيرة، بل أن كل عمل يحاول أن يعيش في الوقت نفسه.
وحين تعود الحدود إلى أماكنها، يعود الوضوح.
ليس لأن المسؤوليات قلت، بل لأن كل شيء عاد إلى موضعه الصحيح، فلم يعد يحمل معه ظلال ما قبله وما بعده.
أعتقد أن أكثر ما يحتاجه الإنسان المنشغل ليس وقتًا إضافيًا، بل فواصل واضحة.
فالفواصل ليست انقطاعًا عن العمل، بل هي التي تمنح كل عمل حضوره الكامل، وكل علاقة حقها، وكل قرار صفاءه.
وربما لهذا، لا يبدأ الوضوح من تقليل المهام، وإنما من معرفة أين ينتهي هذا… وأين يبدأ ذاك.











Comments